أبي الفرج الأصفهاني
23
الأغاني
سبحان من يعلم ما خلفنا وبين أيدينا وتحت الثرى والحمد للَّه على ما أرى وانقطع الخطب وزال المرا وقال من قصيدة : وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة في شامخ من عزّه المترفّع قالت لي النفس العزوف بفضلها ما كان أولاني بهذا الموضع قال : الدهر يلعب بالفتى فيهيضه طورا ويجبر عظمه فيراش [ 1 ] وكذا رأينا الدهر في إعراضه ينحى وفي إقباله ينتاش [ 2 ] ومما قال في النسيب : أدلّ [ 3 ] فيا حبّذا من مدلّ ومن ظالم لدمي مستحلّ إذا ما تعزّز قابلته بذلّ وذلك جهد المقلّ وقال من أبيات : مرّت بنا تخطر في مشيها كأنما قامتها بأنه هبّت لنا ريح فمالت بها كما تثنّى غصن ريحانه فتيّمت قلبي وهاجت له أحزانه قدما وأشجانه قال ابن عبد الرحيم : حدّثني أبو نصر الزجاج قال : كنت جالسا مع أبي الفرج الأصبهاني في دكَّان في سوق الورّاقين ، وكان أبو الحسن علي بن يوسف بن البقّال الشاعر جالسا عند أبي الفتح بن الجزّار الورّاق وهو ينشد أبيات إبراهيم بن العبّاس الصّوليّ التي يقول فيها : رأى خلَّتي من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلَّت فلما بلغ إليه استحسنه وكرره ؛ ورآه أبو الفرج فقال لي : قم إليه فقل له : قد أسرفت في استحسان هذا البيت ، وهو كذلك ، فأين موضع الصنعة فيه ؟ فقلت له ذاك ؛ فقال : قوله « فكانت قذى عينيه » فعدت إليه وعرّفته ، فقال : عد إليه فقل له : أخطأت ، الصنعة في قوله « من حيث يخفى مكانها » . قال ياقوت : وقد أصاب كل واحد منهما حافة من الغرض ؛ فإن الموضعين معا غاية في الحسن وإن كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن . مؤلفاته
--> [ 1 ] يراش : أي يصير له ريش ، والمراد اليسار وحسن الحال . ويقال : راشه يريشه إذا أحسن إليه ؛ وأصله من الريش ؛ لأن الفقير المملق لا ينهض كالمقصوص الجناح من الطير . [ 2 ] ينتاش : ينقذ ؛ يقال : انتاشني فلان من التهلكة ، أي أنقذني . [ 3 ] يقال : أدل عليه ، إذا وثق بمحبته . فأفرط عليه . ويقال : هي تدلّ عليه أي تجترىء عليه .